السيد الخميني

73

محاضرات في الأصول

والأولى تقسيمها بنحو آخر بأن يقال : الأمور المتصرّمة إمّا أن تكون بحيث لا يرى العرف تصرّمها ، كنور السراج والشمس مثلًا ؛ فإنّه دائما ينعدم منه شعاع ويوجد منه شعاع آخر ، ولكنّ العرف يرى الأشعّة المنعكسة أمرا ثابتا ، وإمّا أن تكون متصرّمة بنظر العرف والعقل معا ولكنّها مع تصرّمها تكون شخصيتها باقية عقلًا وعرفا كالزمان والحركة وجريان الماء وسيلان الدم ، وإمّا أن تكون بحسب الدقّة ، بل بحسب نظر العرف أيضا موجودات متكثّرة ولكنّها مع تكثّرها تعتبر بجهة أخرى شخصا واحدا كقراءة القرآن وإنشاء الخطبة ونحوهما ، فهذه ثلاثة أقسام . ولا إشكال في اعتبار الاستصحاب في القسمين الأوّلين ، بل وفي القسم الأخير أيضا ، وحافظ الوحدة في القسم الأخير يختلف باختلاف الموارد فالمدرّس مثلًا يعتبر جميع كلماته موجودا واحدا ما دام اشتغاله بتدريس الفقه مثلًا ، ثمّ إذا أعرض عن ذلك وشرع في الأصول مثلًا ، يعدّ ما بعد ذلك موجودا آخر وإن شرع فيه بلا فصل . وبالجملة : فالوحدة والتعدّد في هذه الأمور موكول إلى العرف ، وأمّا ما يتراءى من كلام الشيخ والنائيني من كون الوحدة والتعدّد فيها بتبع وحدة الداعي وتعدّده أو وحدة المبدأ وتعدّده . « 1 » ففيه ما لا يخفى : ضرورة أنّ النهر الجاري مثلًا ما لم ينقطع جريانه يعدّ موجودا واحدا وإن تعدّد مبدؤه فإنّ العرف ربّما يغفل عن مادّته ومبدئه ، ومع ذلك يحكم بكونه موجودا واحدا متّصلًا ما لم يتخلّل في البين عدم الجريان ،

--> ( 1 ) - فرائد الأصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 206 : 26 - 207 ؛ فوائد الأصول تقريرات المحقّق النائيني الكاظمي 441 : 4 .